في بداية القرن العشرين، أصبح الذكاء الاصطناعي كواحد من الأحداث الكبرى التي ترسم تاريخ الإنسانية منذ اكتشاف النار (حوالي 400000 سنة قبل الميلاد) والزراعة (حوالي 10000 سنة قبل الميلاد) ثم الكتابة (~3200 سنة قبل الميلاد) والعجلة (~3500 سنة. قبل الميلاد.) والمعادن (عصر البرونز الصلب) والطباعة (جوتنبرج ~1440) ثم الآلة البخارية (نهاية القرن18) والكهرباء (القرن 19) والمعلوماتية ثم الإنترنت (في القرن العشرين). أخذ الذكاء الاصطناعي الحديث في التبلور منذ القرنين الثامن عشر والتاسع عشر عندما بدأ في اتخاذ أشكال تكنولوجية منذ أن قام تشارلز باباج (Charles Babbage) سنة 1834 بتصميم اختراع في شكل آلة نسيج ذكية، وقامت آدا لوفليس (Ada Lovelace) من خلال تخيلها للبرمجة سنة 1843 بطرح الانعكاسات الأولى على الآلات القادرة على معالجة البيانات وتوليد المعلومات. في عام 1950 وضع آلان تورينج (Alan Turing) الاسس النظرية الحديثة للذكاء الاصطناعي من خلال آلة تحليلية يتم بواسطتها تحديد قدرة البرمجيات المتطورة على تقليد الذكاء البشري وهو ما يعرف إلى اليوم باختبار تورينج (Turing Test). تولى إثر ذلك جون مكارثي (John McCarthy) ومارفين مينسكي (Marvin Minsky) وكلود شانون (Claude Shanon) وغيرهم من الباحثين، أثناء مؤتمر دارتموث (Dartmounth) عام 1956 بتقديم مشروع إنشاء آلات قادرة على إعادة إنتاج أو محاكاة أو عرض بعض الوظائف المعرفية الإنسانية مثل التدريب أو أخذ القرار أو الإدراك. بهذه المقومات، يمكن للذكاء الاصطناعي العمل غلى إعادة تحديد العلاقة بين الإنسان والآلة من خلال مساعدة ميكانيكية بسيطة.
والسؤال الكبير الذي يطرح هنا: هل سيكون للذكاء الاصطناعي تأثير عميق في تركيبة المجتمع الإنساني؟ هل يمكن اعتبار الذكاء الاصطناعي كثورة خارقة ستسبب تحولات عميقة في تركيبة المجتمع أم أنها مجرد مرحلة من مراحل التطور التاريخي الطويل للعلوم والتقنيات؟ يتطلب الرد على هذه الأسئلة الكثير من البحث يتجاوز حدود هذه المادة ليكون موضوعا قيما لمنشورات أكثر عمقا ولدورات تكوينية مسترسلة تعنى بكافة ثنايا هذه التساؤلات التي يمكن أن نختصرها هنا في النقطتين التاليتين:
1- أولا، لا يمكن اغتبار الذكاء الاصطناعي ثورة أو منعطفًا خارقا في تاريخ العلوم والتقنيات بقدر ما تشكل مرحلة من مراحل التطور التكنولوجي والمعلوماتي.
2-ثانيا، لا تمتلك هذه التقنية أي درجة من درجات الذكاء بالمفهوم الإنساني أو البيولوجي بقدر ما هي تعبير عن دقة هائلة وصلت إليها الخوارزميات في معالجة البيانات وخزنها.
فيما يتعلق بالنقطة الأولى، عادة ما تقاس الاختراعات التكنولوجية الحديثة وفق سلم غارتنر Gartner الذي يتظمن خمس درجات أو مراحل. ويمر الذكاء الاصطناعي اليوم بمرحلة ما يسمي ب”قمة الانتظارات المضخمة” (Peak of Inflated Expectations) وهي مرحلة تعبر على درجة القبول العالية لدى المستعملين وهو تصرف طبيعي تجاه كل الابتكارات الجديدة التي تواصل تمر مرحليا من خلال كافة المراحل المتتالية لنفس النموذج. لذا، مثل جميع الابتكارات الأخرى التي سبقتها، سينحدر الذكاء الاصطناعي من القمة إلى “منحدر الخيبة” (Trough of Disillusionment) عندما يتم اكتشاف حدوده ونقائصه أو بمجرد أن يعتاد علية المستعملون ويشبعون فضولهم منه. عندها يأخذ الذكاء الاصطناعي الوقت اللازم للتجديد تأهبا للمرور إلى مرحلة “مصعد التنوير” (Slope of Enlightenment) قصد الوصول إلى “هضبة الانتاجية” (Plateau of Productivity) وهي مرحلة الاستقرار والانصهار في الممارسات المتداولة العادية في جميع القطاعات. بكون بذلك قد دخل الذكاء الاصطناعي مرحلة التبسيط والتملك العام كما وصلت إلى ذلك من قبله اختراعات أخرى مثل الهواتف الذكية وتقنيات البلوك تشاين (Bloc Chain) وعملات البيتكوين (Bitcoin) وغيرها.

بالنسبة للنقطة الثانية، كثيرا ما يتم تشخيص الذكاء الاصطناعي واعتباره كائنا قائم الذات بمواصفات تحاكي المواصفات بشرية للتعبير عن قدرته وذكاءه المتطور خاصة بالنسبة للذكاء الاصطناعي التوليدي (GAI) في الإجابة عن الأسئلة التي تطرح عليه. وهذا في حقيقة الأمر ناتج عن عدة أسباب منها الطريقة الجديدة التي يعتمدها الذكاء الاصطناعي في الإجابة عن الأسئلة بطريقة سردية تختلف تماما على ما اعتاد عليه المستفيدون من خدمات محركات البحث كمحرك جوجل. ومن الأسباب أيضا جهل أغلبية المستخدمين للذكاء الاصطناعي بطريقة عمل الخوارزميات المتطورة في التدرب على إنشاء نماذج اللغة الكبيرة (LLM) من خلال الشبكات العصبية وتجزئة بيانات التدرب إلى رموز (Tokens) ثم تحويلها إلى بيانات إحصائية تستخدم لإنشاء ردود على الأسئلة (Prompt) بطريقة احتمالية ومتناسقة.
خلاصة، حسب رأيي لا يكتسي الذكاء الاصطناعي ميزة “الثورة” التي تقلب العالم رأسا على عقب كما فعلت الثورة الصناعية أو الثورة الرقمية التي أعطت وجها جديدا للمجتمع البشري، بقدر ما هو تحول تكنولوجي متعدد الاستعمالات يمس كافة القطاعات خلافا لعديد الاختراعات الأخرى التي ينحصر اسنخدامها في قطاعات معينة. لكن هذا لا يشكل ثورة في حد ذاته إذ يبقى الذكاء الاصطناعي تقنية مجددة لكن في نطاق تطور تكنولوجي مرحلي انطلق منذ عقود ليأخذ أشكالا متنوعة أثارت كلها اندهاشا واستقطبت اهتماما كبيرين في وقتها مثل الأنظمة الخبيرة (Expert systems) والعملاء الأذكياء (Intelligent agents) والعملاء التحاوريون (Chatbots) وهي كلها مراحل مهدت للوصول إلى مستوى الذكاء الاصطناعي الحالي. والطريق لا تزال في بداياتها إن علمنا أن الغاية القصوى للباحثي اليوم في هذا المجال هي المرور من الذكاء الاصطناعي الضعيف (Weak AI) إلى الذكاء الاصطناعي العام (General AI) الذي يقترب بقدر كبير إلى قدرات الذكاء البشري. وهذا أمر يعتبره المختصون بعيد المدى وصعب المنال أولا لتكلفته ثم لمتطلباته المتعقدة من حيث الشبكات العصبية الإلكترونية اللازمة التي لم تصل بعد إلى أبسط المستويات من أنماط شبكات الاتصال العصبي المعقدة في الدماغ البشري.
