قراءة نقدية في نص القانون 2015/37 المتعلق بالتسجيل والإيداع القانوني بتونس

تحفظات على مفهوم المصنفات الرقمية والافتراضية

خلال الجلسة العامة لمجلس نواب الشعب بتونس المنعقدة يوم الاربعاء 9 سبتمبر 2015 تمت المصادقة على القانون الأساسي عدد 37 لسنة 2015 المؤرخ في 22 سبتمبر 2015 والمتعلق بالتسجيل والإيداع القانوني وذلك بعد احترازات وتجاذبات عديدة عشنا آخر مظاهرها خلال شهر جانفي من السنة المنقضية 2014 لمّا صادق المجلس التأسيسي على الأمر عدد 59 المؤرخ في 7 جانفي 2014 والذي صدر بالرائد الرسمي في 24 جانفي 2014 عن رئاسة الحكومة لضبط إجراءات التسجيل والإيداع القانوني. وقد أثار الأمر المذكور وقتها جدلا واسعا وردود فعل عديدة منددة بمفعوله الرجعي وبتضاربه مع استحقاقات المرحلة الراهنة بالقطع مع ممارسات الرقابة وبسط الهيمنة على الفكر والإبداع والنشر في تونس. فقد تعرضت آنذاك العديد من المقالات والمداخلات للمهنيين والمختصين بالنشر والتوزيع إلى نقاط التضارب والضبابية في هذا الأمر خاصة ذلك التضمين المثير للجدل والمتعلق بتوقيت إيداع المنشورات “قبل وضعها على ذمّة العموم” الأمر الذي أخاف الكثير من حيث الطابع المسبق للرقابة على حرية الرأي والتعبير وهو ما يتعارض مع منطوق الفصل 31 من الدستور المصادق عليه في 26 جانفي 2011 والذي يمنع الرقابة المسبقة على “حرية الرأي والفكر والتعبير والاعلام والنشر”.

من الإيداع المسبق إلى الإيداع اللاحق للمصنفات

لقد صادق إذا مجلس نواب الشعب على هذا المشروع وتم نشره بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية عدد 79 المؤرخ في 2 أكتوبر2015 بعد مراجعة فصوله التسعة عشر وتضمينها جملة من الإضافات والتنقيحات الاساسية التي سعى المهنيون واهل الاختصاص إلى إبلاغها إلى لجنة الحقوق والحريات والعلاقات الخارجية خلال جلسات استماع متعددة سعى خلالها المتدخلون إلى التركيز على ضرورة مراجعة العديد من المسائل الشائكة التي تغاضى عنها النصّان السابقان (المرسوم عدد 115 لسنة 2011 والأمر عدد 59 بتاريخ 7 جانفي 2014) أو تلك التي أفرزتها التطورات التكنولوجية الحديثة المتعلقة منها خاصة بميدان النشر الالكتروني والصحافة الرقمية. وقد تم فعلا التنصيص على مراجعة هذه النقاط الخلافية في تقرير لجنة الحقوق والحريات والعلاقات الخارجية الذي منح المشروع المعروض تطورا هاما باتجاه التوسع في مجال تطبيق إجراءات الإيداع وتكريس الانتقال من الإيداع المسبق إلى الإيداع اللاحق للمصنفات، الأمر الذي مثّل في نظر العديد نقلة نوعية في تنظيم هذه العملية والقطع نهائيا مع ممارسة الرقابة على الخلق والإبداع. ولعل من أهم البنود التي تميز بها هذا القانون هو بند الاحكام الختامية الذي ألغى جميع الأحكام السابقة والمخالفة للقانون الجديد وخاصة النقاط 3 و4 و6 و8 من الفصل 2 والفصول 4 و5 و6 و19 و22 من المرسوم عدد 115 لسنة 2011 المؤرخ في 2 نوفمبر2011 المتعلق بحرية الصحافة والطباعة والنشر. للتذكير فقط، لقد صدر أول قانون للإيداع بتونس بمجلة الصحافة تحت عدد 75-32 بتاريخ 28 أفريل 1975 وخضع منذ صدوره إلى تنقيحات متتالية ومختلفة جاءت خلال الأعوام 1988، 1993، 2001، 2006، 2011 و2014 وهو ما يدل على حساسية الموضوع وأهميته بالنسبة للشأن الوطني ليس باعتباره مُخزّنا للذاكرة الوطنية ومحافظا على التراث الثقافي فحسب، بل أيضا باعتباره وسيلة يمكن أن توظفها الأنظمة لفرض الرقابة على الفن والابداع وحرية الرأي والتعبير.

ضبابية المفاهيم الرقمية ورواسب الثقافة المطبعية الطاغية على نص القانون الجديد

لن أركز كثيرا هنا على التفاصيل المتعلقة بمسألة ضمان الحريات والقطع مع الرقابة لكونها مسألة قد اعتاد المهنيون والمجتمع المدني على الخوض فيها منذ زمن طويل، بل سأتعرض علاوة عن ذلك إلى نقطة فنية وتقنية حديثة العهد يجدر التنبه إلى تبعاتها على مستوى النصوص التشريعية اللاحقة والمكمّلة لهذا القانون. هذه النقطة تتعلق بالإيداع القانوي للوثائق والمصنفات في أبعادها الرقمية والافتراضية على شبكة الانترنت، والتي قد تكون بدورها مصدرا محتملا لعودة الرقابة والوصاية على الفكر والابداع الفني والادبي من باب لم يتم التفطن إليه نظرا لبعض الخلط في المفاهيم وعدم التمكن من الخصوصيات الدقيقة للتصنيفات الرقمية والافتراضية التي قد لم يعتدها المهنيون والاخصائيون بقدر اعتيادهم على النشر والإيداع القانوني للمصنفات الورقية المطبوعة والسمعية البصرية.

في قراءة أولية لنص القانون المذكور، يبدو جليا أن البعدين الرقمي والافتراضي للمصنفات قد تم فعلا الاعتناء بهما وإدراجهما في صيغة النص النهائية استجابة إلى ضرورة تحيين المراجع القانونية السابقة والتأقلم مع التطورات التكنولوجية الراهنة. من أهم الفصول والأبواب التي تظهر من خلالها لمسات التحيين نذكر خاصة الفصل الرابع من الباب الثاني في المصنفات الخاضعة للتسجيل والإيداع القانوني الذي يضيف لمفهوم المصنفات، علاوة عن أبعادها المعهودة كجملة من “الوثائق المطبوعة أو المنقوشة أو المصورة أو الصوتية أو السمعية البصرية أو المتعددة الوسائط”، أبعادا حديثة تغطي “البرمجيات وقواعد البيانات والمواقع الالكترونية والمعلوماتية المترابطة”. كما تم التنصيص في الفصل التاسع على أن “يتم الإيداع القانوني إما مباشرة لدى الهياكل العمومية المؤهلة بمقتضى هذا القانون مقابل وصل في ذلك أو بواسطة رسالة مضمونة الوصول مع الإعلام بالبلوغ إلى الهيكل المعني أو رقميا بالنسبة للمصنفات الرقمية”.

لئن بدى جليا في هذه الإضافات أن البعد الرقمي والافتراضي للمصنفات قد تم تضمينه في التحديثات المتعلقة بمسالة التسجيل والإيداع القانوني، فإن جوهر المسألة حسب رأيي لا تزال تكسوه بعض النقائص وتعتريه بعض الضبابية في تحديد المفاهيم والمصطلحات المتعلقة بالجانب الرقمي والافتراضي. فالنص في صيغته الجديدة لا تزال تغلب عليه مسحة الثقافة الطباعية والسمعية البصرية المعبرة عن واقع النشر كما تكيف معه المهنيون والمشرعون في تونس على حد السواء. فجل الأبواب والفصول وكذلك التعليقات ومطالب التنقيحات تنم في باطنها عن ثقافة موروثة تعتمد الوثيقة أو المصنف كوعاء أحادي مكتمل ينفرد بهوية ذاتية محددة في الزمان والمكان سواء كان الأمر يتعلق بكتاب أو مجلة أو شريط أو فلم أو قرص ضوئي أو حتى قاعدة بيانات. لذا جاءت المادة التنقيحية المتعلقة بالبعد الرقمي والافتراضي منقوصة لتعبر عن عدم تمكن القائمين على صياغة هذا القانون من الخصوصيات الفنية والتقنية للمصنفات الرقمية والافتراضية وبمتطلباتها القانونية والإجرائية، الأمر الذي جعل من نص القانون غير متوازن بين أنماط المصنفات ليس في تحديد مفهومها فحسب، بل أيضا في ضبط سبل وإجراءات التعامل معها أثناء عملية التسجيل والإيداع القانوني. وفي هذا حسب رأيي تعميم خاطئ وإسقاط لمفهوم تقليدي للوثيقة على مادة رقمية يمكن أن تختلف كليا عن الوثيقة التقليدية في العديد من جوانبها وطرق استخدامها خاصة منها ما يتعلق بامتدادها المادي والزمني وبتحديد ملكيتها الأدبية والفكرية. وهنا يكمن أحد أوجه الخلط والضبابية في نص القانون عندما لا يتم تبيان الفوارق الدقيقة بين مختلف المصنفات الورقية المطبوعة والسمعية البصرية وكذلك الرقمية. كما أنه لم يتم التركيز على الخصوصيات التي تفرق بين المصنفات الرقمية من جهة والمصنفات الرقمية الافتراضية من جهة أخرى رغم أهميتها بالنسبة للتسجيل والإيداع القانوني كما سنبينه لاحقا.

طبيعة الفوارق بين المصنفات الرقمية والمصنفات المطبعية والسمعية البصرية

يجدر بنا التذكير أولا أن إجراءات الإيداع القانوني تبني عموما على أساس الوعاء بدلا عن المحتوى. وبالتالي، فإن أي عمل إبداعي يمكن تسجيله عدة مرات حسب اختلاف محامله. ويعتبر الإيداع القانوي من هذا الباب مغايرا ومكملا لمجال المحفوظات والأرشيف التي تستثنى منها عادة مصنفات الإيداع القانوني. إلا أن النصوص التشريعية للإيداع قد تطورت بشكل عام لتشمل خلال فترات زمنية متلاحقة ثلاثة أنماط من المصنفات حسب طبيعة الأوعية والمحامل التي تنشر بواسطتها، أولها النمط الورقي (المطبوعات) يليه النمط السمعي البصري (كالأشرطة والأفلام والتسجيلات الصوتية) ثم النمط الرقمي المادي (كالأقراص الضوئية) والرقمي الافتراضي (كالمواقع العنكبوتية). لهذه المصنفات الأخيرة خصوصيات معينة تستوجب تعاملا مختلفا على جميع المستويات من حيث صياغة المحتوى وأدوات الحفظ والصيانة وتقنيات البحث والاسترجاع ومسالك النشر والتوزيع. وقد حددت التشريعات الدولية منذ مدة مقاييسا وضوابطا للإيداع القانوني للنمطين الأول والثاني (الورقي والسمعي البصري) والتجارب لاتزال بصدد إيجاد الحلول الملائمة للنمط الثالث (الرقمي والافتراضي) نظرا لحداثته النسبية ولخصوصياته التقنية المتشعبة علاوة عن التغييرات الجوهرية التي أحدثها في الفصل بين الوعاء والمضمون. فمن بين الفوارق الجوهرية بين هذه الأنماط الثلاثة (دون التوقف عند الاستثناءات) نذكر بالخصوص طبيعة صياغتها وتركيبتها المادية وكذلك سبل معالجتها وترويجها ثم إشكاليات تحديد ملكيتها الفكرية والأدبية لا سيما في ضل التقنيات الحديثة للنشر الالكتروني التشاركي والطباعة والإخراج حسب الطلب. فالوثيقة الورقية كما ذكرنا سابقا عادة ما تكون وحدة مادية متكاملة وغير متحركة يسهل تحديد هويتها ومصدرها وامتدادها الزمني والمادي، تنشر في تاريخ ثابت وعلى وعاء ثابت لكن يصعب تغيير محتواها دون الالتجاء إلى إعادة صياغتها ونشرها في نسخ جديدة ومنقحة. كما أن الوثيقة السمعية البصرية كالشريط الممغنط أو الفلم أو التسجيل الصوتي تحمل نفس الخصائص إلا أن تنقيح مضمونها يتم عادة بأدوات وأساليب مختلفة وأكثر مرونة (كالقص والنسخ والتركيب) بكل ما يطرحه هذا الاجراء من إشكاليات في تحديد الطبعات (Editions). ويبقى النمط الرقمي الافتراضي هو الأكثر مرونة وتغيرا (وبالتالي أكثر تعقيدا بالنسبة للإيداع القانوني) لكونه يقوم على مبدا الفصل بين المحتوى والوعاء علاوة على مبدأي التفاعلية والافتراضية كمواقع الواب المتشعبة والمدونات والشبكات الاجتماعية المتكونة من مقالات وتعليقات متداخلة قابلة للتغيير في كل لحظة. لذا، فلئن اقتصر إنتاج وتوزيع المنشورات المطبوعة والموارد السمعية البصرية عموما على المهنيين والمختصين، فإن العالم الافتراضي اليوم يفسح المجال لكل فرد من أجل تصميم المنشورات التجارية أو الخاصة وتوزيعها بكل حرية وبدون رقابة. هذه المنشورات الرقمية (تجارية كانت أم ذات استعمال خاص) تدخل نسبة هامة منها في مساحة الإنتاج الرقمي الفكري والأدبي والفني المحسوب على الذاكرة الوطنية والتراث الثقافي للبلاد والتي حددها المُشرّع تحت تسمية حشرية ضبابية “المواقع الالكترونية والمعلوماتية المترابطة” دون أدنى تعريف لخصوصيات المواقع وطبيعة الترابط بينها علما وأن جميع المختصين يدركون عمق التغييرات التي أدخلتها تقنية الروابط التشعبية على تركيبة الموارد الرقمية متعددة الوسائط وأساليب حملها وتخزينها. كما يدخل أيضا العديد من هذه المنشورات الرقمية التجارية والخاصة بصفة آلية في باب التصنيفات الرقمية الغير معنية بالإيداع القانوني، تلك التي تغاضى عن تحديدها نص القانون في الفصل الخامس من بابه الرابع (