نبذة عن بن هندة

أستاذ مخاضر في علوم المعلومات والاتصال الرقمي بجامعة بوردو الفرنسية

بين غوغل والذكاء الاصطناعي التوليدي: من منطق الاسترجاع إلى منطق التوليد

تتميز الفجوة التقنية بين محركات البحث التقليدية والذكاء الاصطناعي التوليدي في الانتقال من منطق “الاسترجاع” إلى منطق “التوليد”، فبينما تعتمد محركات البحث (كجوجل) على خوارزميات الزحف (Crawling) والفهرسة (Indexing) لبناء قواعد بيانات ضخمة مرتبة في فهارس تتيح استرجاع الوثائق المخزنة مسبقاً عبر مطابقة الكلمات المفتاحية باستخدام المعادلات البولينية (Boolean logic)، يعتمد الذكاء الاصطناعي التوليدي على نظام بيئي يبدأ من البيانات الضخمة (Big Data) ليس لفهرستها، بل لتعلم أنماطها وتمثيلاتها. وبدلاً من الفهارس الأبجدية، تستخدم النماذج التوليدية عملية الترميز (Tokenization) والتحويل المتجهي (Vectorization) لتمثيل البيانات في فضاء رياضي يسمح بقياس التقارب الدلالي. وفي حين يقتصر دور محرك البحث على “إيجاد” المحتوى، يقوم الذكاء الاصطناعي عبر نماذج اللغات الضخمة (LLM) بـ “خلق” محتوى جديد كلياً من خلال التنبؤ الاحتمالي الذاتي (Autoregressive generation) للرموز. ومع ذلك، تبرز بنية التوليد المعزز بالاسترجاع (RAG) كنقطة التقاء بين الفلسفتين، حيث تستفيد من قوة البحث في استرجاع وثائق دقيقة ودمجها في سياق النموذج لتعزيز واقعية المحتوى المولد وتقليل الهلوسة التقنية.

مصدر الصورة: “الذكاء الاصطناعي مقابل محركات البحث”

أما فيما يتعلق بالمهارات اللازمة لإتقان كلا النظامين، وضمان الاستخدام الأمثل للحصول على أفضل النتائج، تتطلب محركات البحث التقليدية مهارات متقدمة للحصول على أفضل الردود. في الواقع، يجب على المستخدم صياغة استفسارات دقيقة باستخدام كلمات رئيسية مختارة بعناية، واستخدام معَلّمات متقدمة لتحسين نتائج البحث، وفهم أساسي لمنطق المجموعات الفرعية والمعادلات البولية (AND، OR، NOT) لتجنب النتائج غير المناسبة (الضوضاء والصمت)، ثم القيام بتصفح النتائج يدويا، وتقييم موثوقية المصادر المعروضة، وهو ما يستغرق وقتًا أطول، ولكنه يوفر تحكمًا كاملاً في الاستكشاف ودقة عالية في الموضوعات المطلوبة. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي، فهو يبسط الاستخدام إلى أقصى حد من خلال صياغة الأسئلة بلغة طبيعية، كما في المحادثة العادية، دون الحاجة إلى معرفة تقنية مسبقة، مع إمكانية التفاعل بشكل تكراري من خلال أسئلة توضيحية أو تعديلات لتحسين الإجابة، مما يجعله مثاليًا للمبتدئين أو للطلبات المعقدة متعددة الخطوات. كما يوفر تركيزا أعمق في الإجابة بناءً على سياق المحادثة المسجلة، وشريطة إتقان هندسة التوجيه لتجنب الإجابات غير الدقيقة.

لذا، بينما تظل محركات البحث خياراً قوياً للمتخصصين الباحثين عن السيطرة والتنوع، يتفوق الذكاء الاصطناعي التوليدي في السرعة والسهولة للاستخدام اليومي، مع اندماج الاتجاهات الحديثة نحو تجربة بحث واحدة متعددة الأبعاد تجمع أفضل الاثنين لمردودية فائقة. وهو ما تؤكده التوجهات الأخيرة في الدمج الهجين بين النظامين كحل أفضل، مثل Bing Copilot أو Google Deep Search، حيث تجمع تقنية RAG بين استرجاع الوثائق الدقيقة من قواعد خارجية وبين توليد إجابات سياقية، مما يقلل الهلوسة ويحسن الدقة، ويحافظ على مردودية عالية لكلا النوعين من المستخدمين.

الذكاء الاصطناعي: ثورة أو مجرد تطور تكنولوجي؟

في بداية القرن العشرين، أصبح الذكاء الاصطناعي كواحد من الأحداث الكبرى التي ترسم تاريخ الإنسانية منذ اكتشاف النار (حوالي 400000 سنة قبل الميلاد) والزراعة (حوالي 10000 سنة قبل الميلاد) ثم الكتابة (~3200 سنة قبل الميلاد) والعجلة (~3500 سنة. قبل الميلاد.) والمعادن (عصر البرونز الصلب) والطباعة (جوتنبرج ~1440) ثم الآلة البخارية … يتبع

الإنسانيات الرقمية: رهانات المجال البحثي والأكاديمي

تكتسب الإنسانيات الرقمية شعبية متزايدة بين أخصائيي العلوم الإنسانية من خلال مجموعة واسعة من أدوات البحث الرقمية ومن خوارزميات متطورة في اللسانيات ومعالجة البيانات. وهي في الواقع مصطلح موروث من مجالات معرفية سابقة ظهرت منذ الستينات تحت مسميات مختلفة لم تتوصل أي منها إلى تعريف موحد يشمل كافة مظاهرها كسائر … يتبع

من التحديات الرقمية للغة والكتابة العربيتين

تحديات جارية لا تزال اللغة والكتابة العربيتين في مواجهة عديد التحديات في المجال الإلكتروني يعود مصدرها بالأساس إلى ضعف مخرجات البحث العلمي العربي في التعاطي مع البيانات الرقمية متعددة اللغات من حيث التجديد والتحديث والابتكار. فبعد تجاوز عقبة الترميز الرقمي الثنائي للغات بواسطة المعايير الدولية كمواصفات iso 8859 ثم مواصفات … يتبع

قراءة نقدية في نص القانون 2015/37 المتعلق بالتسجيل والإيداع القانوني بتونس

تحفظات على مفهوم المصنفات الرقمية والافتراضية خلال الجلسة العامة لمجلس نواب الشعب بتونس المنعقدة يوم الاربعاء 9 سبتمبر 2015 تمت المصادقة على القانون الأساسي عدد 37 لسنة 2015 المؤرخ في 22 سبتمبر 2015 والمتعلق بالتسجيل والإيداع القانوني وذلك بعد احترازات وتجاذبات عديدة عشنا آخر مظاهرها خلال شهر جانفي من السنة … يتبع

بدايات الترميز الرقمي المعياري للمحارف العربية

من بين التحديات الرئيسية التي واجهتها اللغة العربية في بدايات العصر الرقمي، كانت هنالك أولا مشكلات تشفير المحارف بطريقة معيارية يعتمدها المصنعون لتوفير المعدات والبرمجيات الخاصة باللغة والكتابة العربيتين. وقد تم التوصل إلى تجاوز قسط كبير من هذه التحديات بفضل المساهمات الداخلية والخارجية، خاصة تلك المجهودات التي قامت بها المنظمة … يتبع

توحيد الترميز الرقمي الثنائي للغات والكتابات

مواصلة للتدوينة السابقة التي ذكرنا فيها جملة من التحديات التي تواجهها اللغة والكتابة العربية في المجال الرقمي، نتعرض باختصار شديد في هذه التدوينة إلى بداية منظومات الترميز الرقمي الثنائي للغات والكتابات وأهم المجهودات الدولية لتوحيدها من خلال مواصفات عالمية. سيتسنى لنا إثر ذلك في التدوينات التالية التوقف على أهم محطات … يتبع

من إشكاليات اللغة العربية على الشبكات الرقمية

في زخم الإقبال العالمي المتزايد على تكنولوجيا المعلومات والاتصال، تنامت قدرات العالم العربي في هذا المجال مقارنة بالعشريات السابقة (من سبعينات القرن الماضي إلى بداية الألفية الثالثة) التي كانت التجربة العربية خلالها شبه منعدمة. أما اليوم فتشير العديد من الإحصائيات في هذا الخصوص إلى تغير في القدرات العربية على التواجد على … يتبع

الطباعة ثلاثية الأبعاد 3D

الطباعة ثلاثية الأبعاد هي عملية لتصنيع أجسام صلبة ثلاثية الأبعاد انطلافقا من ملف رقمي ويتحقق ذلك باستخدام عمليات الإظافة (additive processes). في هذه العملية يتم إنشاء الجسم الصلب بوضع طبقات (شرائح) رقيقة متعاقبة من المواد الصلبة يتم ضخها عبر مسلك خاص يربط بين خزان الطابعة (أو مصدر المادة المستعملة) والأرضية التي يتم فوقها إنشاء الكائن بأكمله.

تبدأ العملية بتصميم ظاهري للجسم الذي سيتم إنشاءه بهذه الطريقة. ويتكون هذا التصميم بطريقة افتراضية في شكل ملف رقمي تتم كتابته  باستخدام برنامج النمذجة ذات الثلاثة أبعاد أو باستخدام ماسح ضوئي خاص ذو ثلاثة أبعاد. هذا الماسح الضوئي يحصل على نسخة رقمية عن طريق برنامج نمذجة خاص ثلاثي الأبعاد.

يقوم هذا البرنامج  الخاص بتجزئة الجسم الأفتراضي إلى مئات الشرائح الأفقية ثم تتولي الطابعة ثلاثيىة الأبعاد بإنشاء طبقات الشرائح انطلاقا من المادة المخزنة لديهاتقرأ الطابعة كل شريحة (في شكل صورة ذات بعدين) ثم تقوم بوضع الشرائح الواحدة فوق الأخرى لإنشاء نسخة مادية ثلاثية الأبعاد مطابعة تماما للتصميم الإفتراضي.

من المتوقع أن هذا التطور التكنولوجي سيغير المشهد الاقتصادي والتجاري العالمي إذ أنه سيكون في مقدور المستهلكين إمكانية الحصول على تصاميم خاصة بهم بدلا من أن تكون هذه التصاميم محصورة في الخيارات التي تصنعها الشركات وتوفرها الأسواق وشبكات التوزيع العالمية. من المؤكد أن الطباعة ثلاثية الأبعاد ستغير العالم المصنع كما نعرفه اليوم في العديد من المجالات مثل التجارة والصناعة والطب والفنون وسيؤثر ذلك كثيرا على استهلاك الطاقة والحد من النفايات والإنتاج الخصوصي للمواد.

لمزيد القراءة:

البيانات الضخمة Big data: اختراع أم تحديث؟

 تمثل “البيانات الضخمة (Big Data)” مرحلة هامة من مراحل تطور نظم المعلومات والاتصالات. وهي تعبر في مفهومها المبسط والمختزل عن كمية هائلة من البيانات المعقدة التي يفوق حجمها قدرة البرمجيات والآليات الحاسوبية التقليدية على خزنها ومعالجتها وتوزيعها، الأمر الذي حدا بالأخصائيين إلى وضع حلول بديلة متطورة تمكن من التحكم في … يتبع