مجالات البحث العلمي

سلسلة من الأسئلة تخامر ذهن كل باحث مبتدئ : ماهيات الأشياء، كيفياتها وصيرورتها.  أسئلة عادة ما تترجم عن انطلاقة حديثة العهد في مجال البحث العلمي التي غالبا ما تكون مفروضة بحكم القيود المهنية أو الأكاديمية للمبتدئين. لكن هم كثيرون أيضا أولئك الذين يسعون بمحض إراداتهم لخوض غمار هذه التجربة تسوقهم قناعاتهم أو شغفهم بالبحث والإدراك بجواهر الأشياء كتعبير عن ذواتهم وتلبية لرغبات ثقافية وعلمية جامحة. فكما يقول ألبرت أينشتاين في كتابه كيف أرى العالم، "تمر عملية البحث بفترات متباينة ومطولة تشمل لحظات من الحدس والضبابية والانشراح والحمّى. وتنتهي يوما إلى مرحلة ابتهاج عارم يعرفها كل من عاش هذه الفترات المميزة".

 

وهكذا أيضا يقول نيتشا عندما يصرح "إن كل عملية بحث تهدف إلى مزيد المعرفة بالذات وبالعالم، تفيد بأننا نؤمن بقدرتنا عن التعبير بأكثر مصداقية عن حقيقة طبيعتنا". لكن لا ينبغي هنا أن ننسى أيضا محدودية قدراتنا الذهنية تجاه الكون والقوانين الطبيعية التي تسيره. فكما يقول جورج أوروال "ما يمثل ماهية الوجود البشري هو عدم البحث عن المثالية". المهم حسب رأيي هو المبادرة بتحدي عوائق الجمود الذهني والسعي إلى الدفع بحدود الجهل وعوائق المعرفة والابتكار إلى أبعد الحدود. وفي أقصى الحالات، فكما يقول سان قريقوري دو نيس "لا تمثل عملية البحث أمرا والوصول إلى الاكتشافات أمرا آخر، فأهمية البحث هو البحث ذاته".

 

لست لأدعي من خلال هذه المقدمة بأنني من المتمرسين في البحث أو من أصحاب النظريات، فذاك يكون من باب الغرور المحض. لكن يمكنني القول وبكل تجرد أن ميولاتي اللغوية منذ بداياتي الدراسية كانت وراء انسياقي في هذا المجال المعرفي واتخاذه اختصاصا علميا وأكاديميا رغم محاولاتي لتفاديه منذ البداية لاعتبارات تتعلق بجدوى مجالات التخصص الأدبية والاجتماعية مقارنة بالمجالات العلمية والتكنولوجية التي كانت ولا تزال سائدة منذ آنذاك. وقد ساعد في هذا الاهتمام باللغات تتلمذي عن أساتذة تونسيين وأجانب ذو كفاءات لغوية عالية دعموا قدراتي في اللغات الفرنسية والانجليزية خاصة. ورغم توجهي التعليمي الموالي إلى مجالات أخرى كالتوثيق والمعلومات (إسبانيا 1983-1985) ثم الإعلامية والتكنولوجيات الحديثة (الولايات المتحدة 1989-1990) ثم علوم المعلومات والاتصال (فرنسا 1995-1999)، فقد بقى عنصر اللغة حاضرا في كافة انشغالاتي البحثية والعلمية.

 

أما الانطلاقة الحقيقية في مجال البحث حول هذا المحور اللغوي فقد كانت في حد ذاتها غريبة وغير مرتقبة (انظر هنا).

 

التعددية اللغوية والتنوع الثقافي من خلال التقنية الرقمية

 

لقد دأبت على المزج بين اللغات من جهة والمجالات العلمية الأخرى التي اكتشفتها خلال كافة مراحلي الدراسية الموالية كالتقنيات الحديثة للمعلومات والاتصال والتوثيق والأرشيف والتعليم عن بعد. وفي كل مرة كنت أركز على تحديد بعض المحاور البحثية التي تبدو في ظاهرها غريبة رغم كونها تعبر في مضمونها عن حيرة ذهنية غالبا ما تنبثق عن تقاطع بعض المجالات المعرفية كعلوم المعلومات والألسنية والبرمجة المعلوماتية وعلوم الإدراك. ومن هذه التقاطعات التي أدت إلى تساؤلات تبدوا غريبة في ظاهرها رغم واقعية انعكاساتها على الاستعمالات اليومية للمعلومات وتقنياتها الحديثة هي تلك التي تتعلق بمسألة اتجاه كتابة الأرقام في المنظومات الرقمية المحوسبة. فعلا، فمن جملة المحاور الثابتة في اهتماماتي البحثية في المجال اللغوي هو ذلك المحور المتعلق بإشكاليات تقابل اتجاهات الكتابة وخاصة منها الأرقام في النصوص متعددة اللغات العربية واللاتينية. وتمثل ظاهرة ال21 احد انشغالاتي البحثية حول ماهية المسائل. فالسؤال في هذه الظاهرة الخاصة والدقيقة يتمحور حول أسباب تشابه المنظومتين الحسابية الألمانية والعربية بصيغتيها العامة والأدبية في عمليات التعداد من 11 إلى 99 إذ كلاها تسبق الآحاد عن العشرات، خلافا لسائر بقية اللغات الهندوأوروبية. وهذا حسب رأيي يشكل بعدا بحثيا يندرج في باب البحوث السوسيولوجية اللغوية التي لا أزال أتصيد بعض بوادر الإجابات عنها. لكن إلى حد الآن وحسب مقولة مارتن دي قوارد "تهمني ماهيات الأشياء إلى درجة لا تمنعني عن التخلي وبدون حسرة عن عقم البحث عن أسبابها". لكن ربما تأتي المرحلة التي أتوقف عندها وبأكثر دقة على الأبعاد السوسيولجية التاريخية التي تفسر هذه الظاهرة رغم بعض الانتقادات التي تصلني من حين إلى آخر حول جدوى هذه التساؤلات في عالمنا العربي اليوم الذي هو بأشد الحاجة إلى البحث التطبيقي أكثر منه إلى البحوث النظرية. جوابي هنا هو أنني لست في منظومة بحثية تسعى لإيجاد الحلول العملية أكثر من أني أسعى إلى فهم المسائل تلبية لرغبات ثقافية خاصة. فمجال البحث التطبيقي يتطلب إمكانيات وآليات وبرامج أكثر تعقيدا للوصول إلى النتائج الملموسة في أقصر الأوقات تماشيا مع مقتضيات المزاحمة الصناعية وطلبات السوق.

 

يشكل هذا المحور أيضا نقطة للتركيز على المبادرات الدولية في مجال التعددية اللغوية والتنوع الثقافي العالمي، كتلك الصادرة عن منظمات دولية كمنظمة اليونسكو من خلال نصيها إعلان اليونسكو العالمي بشأن التنوع الثقافي (2001) واتفاقية حماية وتعزيز التنوع الثقافي (2005) ومواصفات التشفير اللغوي كائتلاف اليونيكود واللجان الفرعية والتقنية للمنظمة الدولية للمواصفات المتعلقة بتقنين الأبعاد اللغوية والثقافية لتقنيات المعلومات والاتصال وغيرها.

 

الواجهات التطبيقية متعددة اللغات (موضوع رسالة الدكتوراه)

 

يركز هذا المحور على دراسة الواجهات التطبيقية المحوسبة من ناحية صياغتها وتقييم فعالياتها في التحاور بين الأجهزة والمستفيدين انطلاقا من ظاهرة الازدواجية اللغوية العربية اللاتينية التي تتصف بها كافة التطبيقات المعلوماتية العربية أو المعربة. لذا كانت من بين أهداف هذا المحور دراسة جدوى للحلول المعلوماتية المعتمدة إلى اليوم لتشفير المحارف متعددة اللغات وفقا للمواصفات الدولية كتلك النابعة عن المنظمة الدولية للمواصفات (ISO) والمنظمة العربية للمواصفات والمقاييس (ASMO) والجمعية الأوروبية لمصنعي الحواسيب (ECMA) وائتلاف يونيكود (Unicode) ... علاوة عن الحلول الإضافية التي توخت توسيع نطاقات التشفير الثنائي للمحارف لتشمل اللغة العربية وسائر اللغات الغير اللاتينية الأخرى. وقد تولدت عن هذه المبادرات ظاهرتان رئيسيتان ميزت النظم الالكترونية الحالية تعرف تحت مختصري (i18n) و (l10n) نسبة إلى مفهومي التدويل (Internationalisation) و المحلية (Localisation). فقد شكلت هاتان الظاهرتان، علاوة عن خصوصيات الوجهات التطبيقية المحوسبة وتركيباتها، أهم المحاور البحثية المدروسة. والنتيجة، إن عرضناها اختزالا، تفيد أن هذه النقاط لا تزال تصادف إشكاليات لغوية وثقافية عميقة لم تحل بعد من قبل المصممين والمصنعين وفقا للحيثيات اللغوية والحضارية الدقيقة للهوية العربية. ويكفي التعرض هنا، على سبيل الذكر ولا الحصر، إلى ظاهرة الاتجاه الحصري من اليسار إلى اليمين للأرقام في السياقين اللاتيني والعربي على حد السواء. وفي هذا إشكاليات عدة في استعمال الأرقام في النصوص مزدوجة اللغة بين العربية واللاتينية وخاصة على مستوى النصوص المندسة (Incise) والمبتورة(Bris) مما يجعل من استخدام النصوص متعددة اللغات إشكالية لا تزال معقدة لمستخدمي الواجهات التطبيقية مزدوجة اللغة بين العربية وأي لغة لاتينية أخرى. وفي هذا الباب بالذات قمت بدراسة ميدانية لمراقبة تصرفات المستفيدين ذو الثقافة واللغة العربيين أثناء تفاعلهم مع واجهات تطبيقية مزدوجة اللغة (عربية وفرنسية) في تحرير نصوص مزدوجة اللغة مهيأة مسبقا للتركيز على نقاط الإشكال المذكورة من تقابل في اتجاه الكتابة ومعالجة الأرقام في النصوص المندسة والمبتورة وغيرها. وتظهر الإحصائيات الواردة بالعمل المندرج ضمن قائمة المنشورات بهذا الموقع (انظر الرابط) مدى عدم تطابق الحلول الالكترونية العربية أو المعربة (مزدوجة اللغة وحتى متعددة بواسطة مواصفة اليونيكود) مع الخصائص الثقافية والحضارية العربية.

 

يشكل هذا المحور البحثي الموضوع الرئيسي لرسالة الدكتوراه تحت عنوان :

 

مورفولجية و هندسة واجهات تراسل المعلومات العلمية و التقنية في محيط متعدد اللغات : الوسط العربي اللاتيني

Morphologie et architecture des interfaces de communication de l'information scientifique et technique dans un environnement multilingue : le contexte arabo-latin

الجذاذة البيبليوغرافية

BEN  HENDA, Mokhtar
Morphologie et architecture des interfaces de communication de l'information scientifique et technique dans un environnement multilingue : le contexte arabo-latin [En ligne]. Information & Communication. Thèse d'Université. Bordeaux, France : Université Michel de Montaigne, 1er février 1999, 390 p. Disponible sur : http://www.benhenda.com/publications/these/

تحميل أجزاء الرسالة

المقدمة
88 Ko

الحزء 1
300 Ko

 

الجزء 2
260 Ko

الجزء 3
2,46 Mo

الجزء 4
2,39 Mo

 

الخاتمة
39 Ko

البيبليوغرافيا
1,13 Mo

الملاحق
246 Ko

 

كما شكل هذا الموضوع أيضا محور بحث لملخص مسيرة بحثية (تقرير علمي باللغة الفرنسية) تم تقديمه في إطار التحضير لملف تأهيل جامعي للإشراف على التأطير العلمي بجامعة منوبة بتونس. وقد تم سرد مختلف التطورات البحثية حول هذا الموضوع من خلال أوراق العمل المقدمة في المؤتمرات والمقالات المنشورة في الدوريات العلمية (يمكن طلب نسخة من ذلك عبر البريد الالكتروني)

 

في نهاية الأمر، فإن موضوع التعددية اللغوية يشكل محورا رئيسيا لكل البحوث التي أقوم بها وهو يشكل أيضا عنصرا مشتركا لكل التفريعات اللاحقة التي انبثقت عن هذا المحور الرئيسي متابعة لمختلف مظاهر التطور والتلاقح الذي يمكن لهذا الموضوع الحساس أن يكتسبه عند ملامسته لمختلف الموضوعات الحيوية الأخرى التي يكون للمعلومات واللغة والتقنية دور كبير فيها. ومن تلك المحاور الهامة التي شكلت تفريعا هاما لموضوع التعددية اللغوية الرقمية أذكر موضوعي بيانات الميتاداتا ومواصفات المحتويات البيداغوجية المتبادلة من خلال تطبيقات العمل المشترك للتعليم عن بعد.

 

بيانات الميتاداتا

 

تشكل بيانات الميتاداتا اليوم أساس كل نظام للمعلومات والاتصال ذو قيم مضافة في معالجة البيانات بأحدث الطرق والأساليب العلمية التي تيسر خزنها واسترجاعها وتوظيفها في حل المعضلات وأخذ القرار. وقد شكلت هذه البيانات الوصفية للمعلومات والوثائق أحد المحار التي جلبت اهتمامي منذ بداية دراستي في مجال علوم التوثيق والمعلومات. وقد رسخت هذا التوجه لاحقا سنتي التدريس التعاقدي في مادتي الفهرسة والتكشيف بالمعهد الأعلى للتوثيق بتونس قبل انتدابي كمدرس قار بنفس المعهد لتدريس مادة التقنيات الحديثة للمعلومات والاتصال. وقد ساهمت أيضا تجربتي المهنية لمدة ثلاث سنوات كمحافظ لمكتبة مختصة للمدرسة الوطنية للعلوم الإدارية بتونس في تبني هذا المحور كمجال للبحث والتطبيق. فمنذ انتهائي من رسالة الدكتوراه حول موضوع الواجهات التطبيقية متعددة اللغات، تركز اهتمامي البحثي حول الفهرسة والتكشيف الالكترونيين بواسطة بيانات الميتاداتا متعددة اللغة للتوقف على مدى تفاعل خوارزميات التكشيف الخاصة بالأنظمة المحوسبة ،وخاصة منها نظم إدارة قواعد البيانات ومحركات البحث على الانترنت، مع خصوصيات بيانات الميتاداتا العربية. وكانت النتائج لا تخلو من مفاجآت في الوقوف على الخلل والنقائص التي تميز المعالجة الآلية للمحتويات العربية من حيث التكشيف والترتيب القاموسي للكشافات وغيرها. وقد شكل هذا البعد محور عمل بحثي قمت بتأطيره في شكل دراسة معمقة قام بها أحد الطلبة بجامعة مرسيليا الفرنسية للوقوف على مدى أهمية وحدات الميتاداتا العربية المفتوحة والمقننة حسب مواصفة دوبلان كور (Dublin Core) بالنسبة إلى محركات البحث العالمية ككوغل وياهو وغيرها لاسترجاع البيانات العربية على شبكة الانترنت. ويمثل هذا المحور الخاص أحد الأعمال الجارية حاليا قصد التعمق فيها وفق اعتبارات بحثية أعمق وأحدث تماشيا مع متطورات التكنولوجيا السريعة.

 

لكن يبقى العنصر الأهم المتعلق ببيانات الميتاداتا العرببة هو موضوع الانطولوجيات (Ontologies) بما فيها من مفردات ومصطلحات تشكل المحتوى الموضوعي لوحدات الميتاداتا ثم الروابط التي تجمع فيما بينها في شكل شبكية موضوعية تكوّن مجال الاختصاص المعرفي لكل وثيقة ولكل محتوى. وللمحور  اللغوي في هذا المجال دور كبير من خلال المواصفات والمقاييس الدولية التي تمكن من كسر الانفراد اللغوي اللاتيني والانجليزي بالخصوص في هذا الميدان وذلك من خلال بناء روابط المفاهيم والمصطلحات بين اللغات في أشكال عديدة منها شكل النظم المعلوماتية الخرائطية التي تعرف بتوبيك مابس (Topic Maps) وغيرها. وما نأسف إليه إلى اليوم هو افتقار المجال البحثي العربي إلى هذه المبادرات البحثية التي يستفرد بها الغرب ويقوم من خلالها بإملاء الحلول على المستفيد العربي دون التوقف غالبا على حيثياته الحضارية واللغوية. والأمثلة من هذا القبيل متعددة.

 

 

التعليم عن بعد

 

هذا المجال هو امتداد للاهتمام بموضوع بيانات الميتاداتا التي تأخذ حيزا كبيرا في الوسط التربوي والتعليمي كعنصر مميز لنظم المعلومات العلمية والتقنية المستعملة من قبل المدرسين والمتعلمين. كما تمثل أيضا أحد العناصر الرئيسة اليوم في بناء النظم الحديثة للتعليم الالكتروني والتعليم عن بعد. فهي أداة تعرّف بالمحتويات البيداغوجية من ناحية وتعرّف بالمتعلمين المسجلين تحت المنظومات التربوية المحوسبة قصد التثبت من الهوية وهي أيضا الأداة التي تمكن من متابعة المتعلمين خلال كافة مراحل تعلمهم من خلال المنظومة الالكترونية التي يدرسون من خلالها. فالتعليم عن بعد تركيبة معقدة تتكون من عناصر مختلفة تشمل المعدات والمحتويات والعنصر البشري. كما تضم أيضا كافة العمليات والإجراءات المحوسبة التي تمكن هذه العناصر من التداول فيما بينها والتعرف على خصائص بعضها البعض في كافة مراحل العملية التعليمية عن بعد.

 

في خضم هذه التقاطعات المميزة لنظم التعليم عن بعد، تظهر عناصر أخرى كونت بالنسبة لي مراكز اهتمامات بحثية وعلمية سابقة منها مفهوم شبكات المعلومات والاتصال الالكترونية، النظم الخبيرة للمعلومات، أدوات البحث الذكية على المعلومات، تصميم المحتويات الرقمية للمعومات متعددة اللغات وغيرها. وقد ظهر علاوة عن كل هذه المحاور عنصر جديد ذو أهمية متصاعدة بالنسبة لي وهو العنصر البيداغوجي بواسطة التقنيات الرقمية. فالفوائد البيداغوجية والتفاعلات السيكولوجية والإدراكية بين المتعلمين من خلال النظم الآلية للتعليم عن بعد تكتسي أهمية متزايدة على مر الأيام بالنسبة لعلوم المعلومات والاتصال. فطرق التدريس والمتابعة الافتراضية (Tutoring) وعمليات الاتصال الافتراضية المتزامنة والبينية والتعلم الحضوري والبعدي والتقييم الذاتي وغيرها من المصطلحات الحديثة في مجال التعليم، جاءت اليوم لتضفي ميزات جديدة على الجامعة والمخبر والمؤسسة بصفة عامة لتكسر حواجز الزمان والمكان التي طالما فصلت علوم المعلومات والاتصال عن علوم التربية. فالبيداغوجيا الجامعية اليوم، بكامل مفاهيمها القديمة والمحدثة كالمناهج السلوكية (behaviorism) والادراكية (cognitivism) والتركيبة (Constructivism) والتركيبية الجماعية (Socio-constructivism) وغيرها [لست متأكد من ترجمة المصطلحات لافتقار المصادر لذلك]، تنبني على استخدام تقنيات المعلومات والاتصال الأمر الذي نتج عنه استنباط مصطلح جديد يعرف بتقنيات المعلومات والاتصال التربوية (ICTE).

 

كانت بدايتي مع هذا المحور سنة 1999 من خلال برنامج UTICEF للتعليم عن بعد الذي تقوده إلى الآن وكالة الجامعات الفرنكوفونية بمعية جامعة سترازبورغ الفرنسية بمساهمة جامعات من بلجيكا وسويسرا وتونس والسنغال. وقد تمثلت مساهمتي كعضو مؤسس في صياغة محتويات بيداغوجية ثم متابعة وتدريس افتراضي شمل متعلمين من بلدان فرنكوفونية نامية.

 

 

المواصفات في مجال التعليم عن بعد

 

يشهد اليوم مجال التعليم عن بعد ديناميكية متصاعدة تشمل كافة القطاعات التربوية والتعليمية محليا ودوليا نظرا للفوائد الكبيرة التي توفرها على المستويات الاقتصادية والتكنولوجية والبيداغوجية. فقد صار نموذج التعليم عن بعد خيارا استراتيجيا خلال السنوات الأخيرة تماشيا في ذلك مع الهيكلية الجديدة للتعليم الأكاديمي المبني على النموذج الثلاثي 3-5-8 أو ما يعبر عنه بـمختصر (LMD) أي الأستاذية والماجستير والدكتوراه. فقد تعددت الحلول التكنولوجية وتنوعت المناهج التعليمية والتربوية والتكوينية (لاحظوا حيثيات هذه التسميات) المبنية على استخدام التكنولوجيات الحديثة مؤدية إلى إغراق السوق الرقمية بالحلول المعلوماتية الجاهزة. وقد جاءت هذه الحلول في تسمياتها المختلفة كنظم للتعليم المفتوح عن بعد (Open Distance Learning) أو التعليم عن بعد (Distance Learning) أو التكوين الافتراضي (Virtual Training) أو التعليم الالكتروني (E-Learning) وغيرها من المسميات التي أضفت في نهاية المطاف طابعا جديدا ومحدثا على خدمات التكنولوجيا والبيداغوجيا والمعلومات والإعلام في إطار الشبكات المعلوماتية والنظم الموزعة والخبيرة. وهذا بطبعه أنتج تطورا آخر على مستوى الشراكة والتبادل للمعلومات والمحتويات العلمية والبيداغوجية في هذه الأنظمة التربوية الحديثة. لكن أمام التنوع الكبير للحلول المقترحة، تولدت مفارقات عملية عديدة بين التطبيقات ناجمة عن عدم تطابق حلولها البرمجية عند تبادلها للمحتويات أو تراسلها للبيانات، الأمر الذي شكل عائقا عمليا كبيرا أمام أحد أهم الخصائص الشبكية وهو التبادل والتراسل الشفاف. وقد أنتج هذا العائق الهام منذ الوهلة الأولى ضرورة الرجوع إلى مواصفات التطابق (Interoperability) التي ميزت منذ زمن طويل عالم المكتبات وقواعد البيانات البيبليوغرافية الآلية على الخط (Opac). فتولدت عن ذلك عدة أنماط ومقترحات لمواصفات شملت مختلف مكونات التعليم عن بعد في مستوياته المتعددة من آليات ومحتويات وعناصر بشرية وإجراءات محوسبة. وتشكل بيانات الميتاداتا في هذا المجال الركيزة الأساسية لصياغة هذه المواصفات إذ نرى اليوم عددا كبيرا من نماذج وتركيبات من الميتاداتا تعنى بمجال التعليم عن بعد انطلاقا من تركيبات بيبليوغرافية قديمة كتركيبة دوبلان كور وغيرها. ولعل من أهم هذه التركيبات الخاصة بالتعليم عن بعد هي تركيبة "ميتاداتا الوحدات البيداغوجية" التي تعرف بالمصطلح الانجليزي Learning Object Metadata أو بالمختصر LOM. كما نذكر تركيبات أخرى كسكورم (Scorm) و آي أم آس (IMS) وغيرها من النماذج القطرية والمحلية كالتركيبات الكندية مثل (Cancore) والأوروبية مثل (Ariadne). والغاية من كل هذه المبادرات هي توحيد إجراءات المعالجة والتحكم في الموارد والخدمات التابعة لنظم إدارة التعليم عن بعد قصد المطابقة والتبادل.

 

لكن رغم هذه الإجراءات لتوحيد المناهج العملية بين كافة تركيبات الميتاداتا البيداغوجية لم ولن تحل مشاكل التبادل والعمل المشترك الافتراضي في مجال التعليم. ومثل ذلك مثل قطاع المكتبات الذي عمل سابقا على إيجاد الحلول التوافقية لتبادل البيانات البيبليوغرافية عن طريق اعتماد تركيبات متطابقة كتركيبات المارك المقروءة آليا (Marc) ثم مواصفات عديدة كمواصفة ISO 2709. ثم جاءت مبادرة التركيبة الموحدة للتبادل (Common Communication Format) التي لم تعمر طويلا خلافا لمثيلتها الأمريكية ز Z 39.50.

 

على غرار هذه التجربة السابقة في عالم المكتبات، يشهد مجال التعليم عن بعد حركية مماثلة تهدف إلى إيجاد المواصفة الموحدة لكل النماذج المعتمدة اليوم. وقد تم سنة 1999 تشكيل لجنة فرعية للمنظمة الدولية للمواصفات تعنى بهذه المسألة هدفها صياغة تركيبة موحدة  من عناصر الميتاداتا للأهداف البيداغوجية في مجالات التعليم عن بعد. وتسعى فرق العمل إلى صياغة المواصفة المستقبلية التي تعرف بميتاداتا الموارد التعليمية (Metadata Learning Resources). من أهم المحاور التي تعنى بها فرق العمل التابعة للجنة الفرعية 36 التابعة لمنظمة الأيسو (ISO) هي المجموعة الأولى (WG1) المهتمة بالمصطلحات في مجال التعليم عن بعد والمجموعة الرابعة (WG4) المهتمة بصياغة التركيبة الموحدة للميتاداتا البيداغوجية تضاف إليها مجموعات أخرى كتلك التي تعنى بالأبعاد اللغوية والحضارية (WG7) الخ (أنظر الموقع).

 

وتتمثل تجربتي في هذا المجال بالمساهمة في أعمال اللجنة الفرعية 36 التابعة للمنظمة الدولية للمواصفات من خلال رئاستي للوفد التابع لوكالة الجامعات الفرنكوفونية التي تحظى بمقعد عضو من الدرجة "أ".

 

 ... يتبع